وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
لما ذكر افتراقهم عن الحق بيّن هنا حقيقة ما أُمروا به لينكشف مقدار ما فارقوه. والمعنى عند جمهور المفسرين: وما أُمر هؤلاء في كتبهم إلا بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، مخلصين له العبادة، مائلين عن كل دين سواه إلى دين الحق، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ وذلك هو الدين المستقيم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن {حُنَفَاءَ} معناها: مستقيمين على دين إبراهيم عليه السلام، مائلين عن الشرك. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذه الآية أصل في أن الإخلاص شرط في صحة العبادة، وأن العمل بغيره غير مقبول. واستدل بها جماعة من أهل العلم على أن الأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة أصل مشترك في الشرائع كلها، وأن الخلاف بين الأمم إنما وقع في الفروع والكيفيات لا في هذه الأصول. وأما {دِينُ الْقَيِّمَةِ} فقيل: الإضافة فيه على تقدير موصوف محذوف، أي دين الملة القيمة أو دين الشريعة القيمة؛ وقيل: هو من إضافة الموصوف إلى صفته، أي الدين القيّم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً ضمنياً عن سؤال أثارته الآية قبلها. فلما قيل: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} بقي في النفس أن تسأل: وعمّ تفرقوا؟ وما الذي كان ينبغي أن يجتمعوا عليه؟ فجاء البيان بأسلوب القصر نفسه الذي جاءت به الآية السابقة {وَمَا ... إِلَّا}؛ فتوازت الآيتان في التركيب لتتقابلا في المعنى: قصر لزمن التفرق، وقصر لمضمون الأمر. وفي ترتيب المأمورات دقة: بدأ بالعبادة وهي الأصل الجامع، ثم قيّدها بالإخلاص وهو شرط صحتها، ثم بالحنيفية وهي وصف الطريق، ثم فصّل ركنين عمليين هما الصلاة والزكاة؛ فانتقل من الباطن إلى الظاهر، ومن الكلي إلى الجزئي. ثم ختم بالإشارة الجامعة {وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} ليعقد على المذكور حكماً واحداً. وفي لفظ {الْقَيِّمَةِ} رجوع إلى ما وُصفت به الكتب في الآية الثالثة {كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}؛ فالكتاب قيّم والدين المبني عليه قيّم؛ وهذا الترابط اللفظي يشد وسط السورة إلى أولها.