إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ
بعد أن تقررت الحجة وبان أصل الدين المأمور به، انتقل السياق إلى الحكم على من ردّ ذلك. والمعنى عند جمهور المفسرين: إن الذين جحدوا وكفروا بالله ورسوله من أهل الكتاب والمشركين مستقرهم نار جهنم ماكثين فيها أبداً لا يخرجون منها ولا يموتون؛ أولئك هم أسوأ من برأ الله وخلق. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد بهذا الحكم من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ فأصرّ على الجحود؛ إذ الآية جاءت في سياق تقرير مجيء البينة. و{الْبَرِيَّةِ} بمعنى الخليقة، مشتقة من «برأ» إذا خلق؛ وقيل: من «البرى» وهو التراب، أي المخلوقون من التراب. ووصفهم بأنهم شر البرية مبني على أن الشر إنما عظم فيهم لأنهم كفروا بعد وضوح الحجة؛ فمن ردّ الحق بعد معرفته كان أسوأ ممن ردّه بجهل. وفي الآية دليل على أن الكفر بعد قيام البينة أعظم الجرائم على الإطلاق؛ إذ لم يوصف بهذا الوصف الجامع غير أهله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الحكم في موضعه بعد استيفاء مقدماته كاملة؛ فلم يُصدَّر الحكم على الكافرين في أول السورة، بل أُخّر إلى أن قُرّر أمران: أن الحجة قد جاءتهم موصوفة بأتم أوصافها، وأن ما أُمروا به أصول واضحة لا لبس فيها. فلما استقرا في نفس السامع جاء الحكم فوقع موقع المسلّم به. وهذا من أدق ما يُبنى عليه الخطاب الاحتجاجي: أن تُقدَّم المقدمات ويؤخَّر الحكم حتى يستخرجه السامع من نفسه قبل أن يسمعه. وفي إعادة ذكر الصنفين هنا {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} بنفس اللفظ الوارد في مطلع السورة ربطٌ محكم بين أولها وآخرها؛ فقد ذُكرا هناك قبل مجيء البينة، وذُكرا هنا بعد قيامها وردّها؛ فتم بذلك مشهدهم من طرفيه. ثم مهّدت الآية لما بعدها؛ إذ لا يتم بيان أحد الطرفين إلا بذكر مقابله؛ فجاءت الآية التالية في المؤمنين على النسق نفسه.