سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ
سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ
ختم الله السورة بوصف الليلة كلها بأنها سلام. وللمفسرين في تفسير هذا السلام أوجه متقاربة يجمعها معنى السلامة: فقيل: هي سلام أي خير كلها لا شر فيها، لا يقدر الشيطان فيها على أذى ولا على عمل سوء؛ وقيل: هي سلامة للمؤمنين من العذاب بما يقع فيها من المغفرة؛ وقيل: هي سلام تسلّم فيه الملائكة على أهل المساجد والقائمين من حين تغرب الشمس إلى أن يطلع الفجر؛ وقيل: هي سلام على أوليائه، أي أمان لهم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في ذلك، ومدارها على نفي الشر وإثبات الأمن. والأقوال متلازمة يشد بعضها بعضاً؛ فإن نفي الشر عن الليلة يستلزم أمن أهلها، وأمن أهلها يستلزم تسليم الملائكة عليهم. وأما {مَطْلَعِ الْفَجْرِ} فهو وقت طلوعه؛ وفيه بيان لمنتهى الليلة، وأن فضلها ممتد إلى آخر جزء منها لا ينقص من أوله ولا من آخره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة جامعة تلمّ أطراف السورة. فقد ذكر في الآية الأولى نزول القرآن، وفي الثانية والثالثة عظم قدر الليلة، وفي الرابعة تنزل الملائكة؛ وكان مقتضى ذلك أن يُسأل: فما حال الأرض في ليلة يمتلئ فضاؤها بالملأ الأعلى؟ فجاء الجواب في كلمة واحدة: {سَلَامٌ}. وفي الختم بها ملاءمة تامة لموضوع السورة؛ إذ الليلة ليلة تقدير، والتقدير مظنة قلق النفوس مما يُكتب؛ فكان في وصفها بالسلام تطمين يرفع هذا القلق. ثم إن قوله {حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ} تحديد لآخر الليلة يقابل ما في الآية الأولى من تحديد الظرف؛ فانغلقت السورة على نفسها انغلاقاً محكماً: ابتدأت بالليلة وانتهت بحدها الأخير.