وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
انتقل السياق من تقرير قيام الحجة إلى تشخيص علة الافتراق. والمعنى عند جمهور المفسرين: ما اختلف اليهود والنصارى وتفرقوا في أمر محمد ﷺ ولا في دينهم إلا من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة التي لا لبس فيها؛ فتفرقهم لم يكن عن اشتباه في الدليل بل عن حسد وبغي وطلب للرياسة. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن المراد بالبينة هنا ما قامت به الحجة عليهم من أمر النبي ﷺ ونعته في كتبهم. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا نظير قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}؛ فبيّنت تلك الآية العلة صراحة وهي البغي، وأجملتها هذه. وقيل: المراد بتفرقهم أنهم كانوا مجتمعين على انتظار النبي الموعود، فلما جاء افترقوا: فمنهم من آمن ومنهم من كفر؛ فصار مجيء الحجة سبباً في انكشاف ما كان مستوراً من نياتهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع المفصل بين مقطعين. فقد فرغ الكلام قبلها من وصف البينة وصفاً تاماً؛ فكان مقتضى النظر أن يُسأل: فماذا صنع القوم بعد أن جاءتهم هذه الحجة الموصوفة؟ فجاء الجواب: تفرقوا. وفي ترتيب الآية على هذا الوجه — تقديم ذكر البينة وأوصافها ثم ذكر التفرق — قطعٌ لكل عذر قبل أن يُذكر الذنب؛ فالسامع قد استقر في نفسه أن الحجة كانت رسولاً وصحفاً مطهرة وكتباً قيمة؛ فإذا سمع بعد ذلك أنهم تفرقوا علم أن التفرق لا مستند له. ثم إن هذه الآية مهدت للآية الخامسة تمهيداً لازماً؛ إذ لما ذكر افتراقهم عن الحق تشوّف السامع إلى معرفة الحق الذي فارقوه؛ فجاء بيانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ}. فانتظم المقطع: تفرقوا، وهذا هو الذي كان ينبغي ألا يتفرقوا فيه.