إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
هذه الآية مقابلة للتي قبلها في التركيب والمعنى معاً. والمعنى عند جمهور المفسرين: إن الذين صدّقوا بالله ورسوله وأتبعوا تصديقهم بالأعمال الصالحة، أولئك هم أفضل من برأ الله وخلق. وقد جمعت الآية بين ركني النجاة: التصديق الباطن، والعمل الظاهر؛ فلم تكتفِ بأحدهما؛ إذ الإيمان المجرد عن العمل دعوى، والعمل المجرد عن الإيمان صورة لا روح فيها. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن المراد بالصالحات ما أمر الله به من الفرائض والنوافل. واستدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية ومقابلتها لما قبلها على فضل مؤمني هذه الأمة، وعلى أن المفاضلة بين الخلق إنما تقع بالإيمان والعمل لا بالأجناس ولا بالأنساب ولا بسبق الانتساب إلى كتاب. وفي وصفهم بأنهم {خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} مع كونهم في نظر أعدائهم أضعف الناس وأقلهم، إعلاء لميزان الحق على ميزان الغلبة والكثرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية على النسق التركيبي نفسه للآية قبلها حرفاً بحرف في مواضع المقابلة: {إِنَّ الَّذِينَ} ثم الصلة ثم {أُولَٰئِكَ هُمْ} ثم اسم التفضيل مضافاً إلى {الْبَرِيَّةِ}. وهذا التطابق اللفظي التام مقصود؛ إذ يجعل التضاد المعنوي أشد بروزاً؛ فالعين تقع على تركيبين متماثلين فتنتبه إلى موضع الاختلاف وحده. وفي ترتيب الآيتين تقديم لذكر أهل النار على أهل الجنة؛ ووجهه أن سياق السورة سياق احتجاج على المعاندين، فناسب أن يُبدأ بهم؛ ثم عُقّب بذكر المؤمنين ليُختم السياق بالرحمة كما هي عادة القرآن في أن يُختم بالبشرى. وفي هذه الآية أيضاً تمهيد لازم للآية بعدها؛ إذ لما أُطلق وصف الخيرية تشوّف السامع إلى معرفة ما أُعد لهم؛ فجاءت الخاتمة تفصّل جزاءهم تفصيلاً.