فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
هذه الآية تمام وصف الصحف المذكورة قبلها. والمعنى عند جمهور المفسرين: في تلك الصحف المطهرة مكتوبات مستقيمة عادلة لا عوج فيها ولا انحراف. و{كُتُبٌ} جمع «كتاب»، والمراد بها المكتوبات من الأحكام والأخبار والمواعظ؛ وقيل: المراد الآيات والسور المكتوبة فيها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معنى {قَيِّمَةٌ} مستقيمة عادلة، وأنها الكتب التي كتبها الله لعباده على ألسنة رسله. وقال جماعة من المفسرين: القيمة هي التي تقوم بمصالح العباد وتقيمهم على الحق؛ فجمعت الكلمة معنيين: استقامتها في ذاتها، وإقامتها لغيرها. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالكتب ما في القرآن من معاني الكتب السالفة ومقاصدها؛ إذ جمع القرآن خلاصة ما في التوراة والإنجيل والزبر الأولى مصححاً ما حُرّف منها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتتم الدرجة الثالثة والأخيرة من سلّم الوصف الذي بدأ في الآية الثانية. فقد وُصف الحامل بالرسالة {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ}، ووُصف المحمول بالطهارة {صُحُفًا مُّطَهَّرَةً}، ثم وُصف المضمون بالقيمومة {كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}؛ فانتهى البيان إلى لبّ الحجة. ولو وقف الكلام عند وصف الصحف بالطهارة لبقي في النفس سؤال: وما فيها؟ فجاءت الآية تسدّ هذا الموضع بأوجز عبارة. ثم إن لفظ {قَيِّمَةٌ} هنا يمهد للفظ {دِينُ الْقَيِّمَةِ} في الآية الخامسة؛ فيتردد جذر القيمومة في السورة مرتين في موضعين متباعدين ليربط أول السورة بوسطها؛ فما وُصف به الكتاب وُصف به الدين المبني عليه؛ إذ كتاب قيّم لا يثمر إلا ديناً قيّماً.