وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
افتتح الله سبحانه السورة بالقسم بالتين والزيتون. واختلف أهل التأويل في المراد بهما على أقوال مشهورة: فذهب جماعة إلى أنهما الثمرتان المعروفتان، أقسم الله بهما لما فيهما من عظيم المنافع والدلالة على قدرة خالقهما؛ فالتين فاكهة وغذاء ودواء لا فضل فيه ولا عجم، والزيتون أدم ودهن وسراج ودواء. وذهب آخرون إلى أنهما جبلان أو أرضان؛ فقيل: التين جبل بالشام والزيتون جبل ببيت المقدس؛ وقيل: التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس؛ وقيل: التين أرض تنبت التين والزيتون أرض تنبت الزيتون، أي بلاد الشام وفلسطين مواطن كثير من الأنبياء. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الوجوه عن أهل التأويل، ورجّح حمل اللفظ على ظاهره المعروف من الثمرتين ما لم يقم دليل صارف. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن من ذهب إلى أنهما موضعان جعل ذلك مناسباً لما بعدهما من ذكر طور سينين والبلد الأمين؛ فتكون المواضع الثلاثة مواطن الرسالات الكبرى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتتاح السورة بالقسم مسلك مطّرد في قصار المفصل عند إرادة تقرير أمر عظيم يُنازَع فيه؛ والمنازَع فيه هنا هو الجزاء والدين. وقد جاءت الأقسام الثلاثة على تدرج محكم في القرب والوضوح: بدأ بما اختُلف في تعيينه من التين والزيتون، ثم انتقل إلى موضع معلوم بعينه وهو طور سينين، ثم انتهى إلى المشار إليه إشارة الحاضر وهو البلد الأمين؛ فتصاعدت درجة التعيين والقرب حتى استقرت على ما بين أيدي المخاطبين. وفي هذا التدرج حكمة في إقامة الحجة؛ إذ يُبدأ بما يشترك في معرفته الناس، ثم يُنتهى إلى ما لا يملك المخاطب دفعه لأنه واقف عليه بقدمه.