لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
هذا جواب القسم الذي سيقت الأقسام الثلاثة لأجله. والمعنى: لقد خلقنا هذا الجنس الإنساني في أعدل قامة وأتم صورة وأكمل استعداد. و«التقويم» مصدر «قوّم» بمعنى جعله قواماً معتدلاً؛ والمراد به تعديل الخلقة وإتمامها. قال أهل التأويل: خلقه منتصب القامة سوي الأعضاء، حسن الصورة، يتناول طعامه بيده بخلاف سائر الحيوان، وزوّده بالعقل والنطق والتمييز. وقال بعضهم: أحسن تقويم يشمل الصورة والمعنى؛ فالصورة في اعتدال الخلق، والمعنى في العلم والفهم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معنى {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}: أعدل خلق واستواء. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد الخلقة في أحسن شكل وصورة منتصب القامة سوي الأعضاء حسن المنظر. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا التقويم يشمل كمال الخلقة الظاهرة والباطنة، وأنه موجب لشكر الخالق لا للاغترار بالنفس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب بعد ثلاثة أقسام في مواضع مصطفاة؛ فناسب أن يكون في بيان اصطفاء الإنسان نفسه. وهذا من أدق وجوه المناسبة بين القسم وجوابه في السورة؛ إذ لو أُقسم بمواضع مهملة لما ناسب الجواب في تكريم مخلوق، ولو كان الجواب في شأن الأرض أو النبات لما ناسب القسم بمواطن الوحي. ثم إن هذا الجواب مقدمة لازمة لما بعده؛ فإن السورة ستقرر أن الإنسان يُردّ أسفل سافلين؛ ولا يظهر فداحة هذا الردّ إلا بعد تقرير علو المبدأ؛ فكلما ارتفع الأصل كان الانحدار عنه أشد وقعاً. ولهذا قُدّم حسن التقويم على ذكر الردّ، ولم يُبدأ بالردّ ابتداءً.