فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
هذا استفهام إنكاري توبيخي. واختلف أهل التأويل في المخاطب به على قولين: فذهب جماعة إلى أن الخطاب لجنس الإنسان أو للمكذب منهم؛ والمعنى: فأي شيء يحملك أيها الإنسان على التكذيب بالجزاء بعد هذه الدلائل. وذهب آخرون إلى أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والمعنى: فما الذي يجعلك مكذَّباً عندهم بالدين بعد وضوح الحجة، أي أي شيء يحملهم على تكذيبك. و«الدين» هنا بمعنى الجزاء والحساب؛ يقال: كما تدين تدان؛ ومنه {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين، وذكر أن معنى الكلام: فما يحملك على التكذيب بالجزاء بعد قيام الحجج. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد علمت المبدأ وعلمت أن من قدر على البداءة قادر على الإعادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء مفرّعة على مجموع ما تقدم من الأقسام والجواب والاستثناء؛ فبعد أن سيقت الحجج من مواطن الوحي، ومن أصل الخلقة، ومن اختلاف مآل الفريقين، جاء الإلزام. وهذا ترتيب الحجاج التام: عرض الأدلة أولاً، ثم مطالبة الخصم بمستنده. وقد أفاد ظرف {بَعْدُ} هذا المعنى بأوجز لفظ؛ إذ ردّ السامع إلى كل ما تقدم دفعة واحدة دون إعادة ذكره. ثم إن هذه الآية ممهدة للخاتمة؛ فبعد أن قُطع على المنكر عذره، جاء البرهان العقلي الجامع في الآية الأخيرة يقرر ما لا يسعه إنكاره.