إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
هذا استثناء من الحكم السابق. والمعنى: إلا الذين صدّقوا بالله ورسله وعملوا بما أمروا به، فإنهم لم يُردوا ذلك المردّ، بل لهم أجر دائم لا ينقطع. و{غَيْرُ مَمْنُونٍ} فسّره أهل التأويل بأوجه: قيل: غير مقطوع؛ من «المنّ» بمعنى القطع؛ ومنه «المنون» للموت لأنه يقطع الأعمار، و«حبل ممنون» أي مقطوع. وقيل: غير منقوص؛ من «مننت الحبل» إذا أضعفته. وقيل: غير ممنون به عليهم؛ أي لا يُعدّ عليهم ولا يُكدَّر بالامتنان كما يفعل بعض المعطين. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أولى الأقوال أن معناه غير مقطوع؛ لأنه الأشهر في كلام العرب. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: أجر غير مقطوع، كما قال تعالى: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الأجر دائم مستمر لا انقطاع له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الاستثناء عقب الوعيد مباشرة بلا فاصل؛ وهذا من رحمة الخطاب القرآني في مقام الإنذار؛ إذ لا يُترك السامع في قنوط، بل يُفتح له باب النجاة في اللحظة التي استقر فيها الخوف في قلبه. ثم إن الاستثناء بيّن مناط الحكم السابق؛ فلما استُثني أهل الإيمان والعمل عُلم أن الردّ إنما كان بسبب فقدهما؛ فأدى الاستثناء وظيفتين: إثبات النجاة لفريق، وبيان علة الهلاك للفريق الآخر. وهو كذلك تمهيد لما بعده؛ إذ سيقول: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ}؛ فبعد أن تبيّن أن ثمّ فريقين مختلفي المآل، لم يبق للمنكر عذر في إنكار يوم يُفصل فيه بينهما.