أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ
خُتمت السورة بهذا الاستفهام التقريري. والمعنى: أليس الله بأعدل من حكم وأتقن من قضى؟ فكيف يظن به أن يترك خلقه سدى لا يجازيهم على أعمالهم. و{أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} يحتمل معنيين متلازمين: أنه أعدلهم في القضاء من «الحكم» بمعنى القضاء، وأنه أتقنهم صنعاً من «الإحكام» بمعنى الإتقان؛ والمعنيان صحيحان مرادان. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المعنى: أليس الله بأعدل الحاكمين وأقضاهم بالحق. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: أما هو بأحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحداً؟ وقد ورد في بعض الروايات أن من قرأ هذه الآية فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين؛ أخرجه أبو داود والترمذي، وقد ضعّفه غير واحد من أهل العلم لجهالة في إسناده؛ فلا يُعتمد عليه في إثبات سنة، وإن كان معناه من التصديق مما يحسن بالقلب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختمت السورة بأقوى ما يُختم به مقام الاحتجاج على منكري الجزاء؛ وهو ردّ الأمر إلى أصل عقلي لا يملك المخاطب دفعه. فبعد أن قُطع عليه العذر في الآية السابقة، جيء بهذا الاستفهام التقريري ليُلزم بالإقرار؛ إذ لا يجد مسلماً ولا مشركاً بداً من الاعتراف بأن الله أحكم الحاكمين؛ فإذا أقرّ لزمه إثبات الجزاء؛ لأن الحكمة تأبى التسوية بين المصلح والمفسد. ثم إن هذه الخاتمة تعود بالسورة إلى مطلعها؛ فقد أُقسم بمواطن الوحي التي جاء فيها الشرع والحكم، ثم خُتم بأن الله أحكم الحاكمين؛ فانتظم أول السورة بآخرها في تقرير أن هذا الدين صادر عن حكمة كاملة. وجاءت الفاصلة {الْحَاكِمِينَ} موافقة لنسق فواصل السورة كلها.