وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب
وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب
خُتمت السورة بهذا الأمر الجامع. والمعنى: واجعل رغبتك إلى ربك وحده لا إلى أحد سواه؛ فاطلب منه واسأله وارجُ ما عنده. و«الرغبة» في اللغة: السعة في الطلب والحرص عليه؛ يقال: رغب في الشيء إذا أراده وحرص عليه، ورغب عنه إذا زهد فيه وأعرض؛ فتعديتها بـ«في» تفيد الإقبال وبـ«عن» تفيد الإعراض. وعُدّيت هنا بـ«إلى» لتضمنها معنى التوجه والابتهال؛ أي: توجّه بالرغبة إليه. قال أهل التأويل: إذا فرغت من أشغالك وصلاتك فاجعل رغبتك ونيتك إلى الله وحده. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معنى الآية: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: اجعل قصدك ونيتك ورغبتك إلى الله؛ فهو المستحق للطلب وحده. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن تقديم المجرور على فعله يفيد القصر؛ أي: لا ترغب إلا إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختمت السورة بهذه الآية ختاماً محكماً؛ إذ أُمر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قبلها بالعمل والنصب، ثم أُمر في هذه بتصحيح الوجهة؛ فاجتمع للعمل شرطاه: الجد في البذل، وإخلاص القصد. ولو أُمر بالنصب دون بيان الوجهة لبقي العمل بلا مصرف؛ ولو أُمر بالرغبة دون النصب لبقيت الرغبة أمنية بلا سعي؛ فتكاملت الآيتان. ثم إن هذه الخاتمة ترد السورة إلى مطلعها؛ فقد بدأت بذكر ما فعله الله لعبده {نَشْرَحْ}، {وَضَعْنَا}، {رَفَعْنَا}، وختمت بأمر العبد أن يوجه رغبته إلى ربه؛ فانتظم أولها وآخرها في تقرير أن العطاء منه وحده، فلا يُطلب إلا منه. وهي كذلك مناسبة لخاتمة سورة الضحى في الأمر بالتحدث بالنعمة؛ فتلك في شكر اللسان وهذه في توجه القلب.