ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ
ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ
هذه الآية بيان لمآل الإنسان بعد ذكر أصله. واختلف أهل التأويل في المراد بالردّ إلى أسفل سافلين على أقوال: فذهب جماعة إلى أن المراد النار وأسفل دركاتها؛ فالإنسان بكفره يُردّ إلى أسفل السافلين من الخلق منزلة، ويؤيد هذا الاستثناء بعده بأهل الإيمان والعمل الصالح؛ إذ لو كان المراد الهرم لدخل فيه المؤمن والكافر. وذهب آخرون إلى أن المراد أرذل العمر والهرم الذي يعود فيه الإنسان إلى ضعف بعد قوة وجهل بعد علم؛ ويكون الاستثناء على هذا في الأجر لا في الردّ؛ أي: إلا الذين آمنوا فلهم أجرهم كاملاً وإن بلغوا الهرم وعجزوا عن العمل. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين عن أهل التأويل. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن القول بأن المراد النار أظهر لدلالة الاستثناء عليه، وأن سياق الآيات في الجزاء لا في أطوار البدن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء العطف بـ{ثُمَّ} لا بالفاء ولا بالواو؛ وفي هذا دقة؛ إذ لو عُطف بالفاء لأفاد أن الردّ تال للخلق مباشرة بلا فاصل، ولو عُطف بالواو لأفاد مجرد الجمع بلا ترتيب؛ فجيء بـ{ثُمَّ} لتفيد التراخي في الرتبة والزمان معاً؛ فبيّن أن بين حال التقويم وحال الردّ مسافة، هي مسافة العمر الذي يعمل فيه الإنسان ما يستحق به أحد المآلين. ثم إن المقابلة بين {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} و{أَسْفَلَ سَافِلِينَ} مقابلة بين طرفين متباعدين غاية التباعد؛ فرُسم للإنسان مداه كله في آيتين: أعلى ما يمكن أن يبلغ وأدنى ما يمكن أن ينحدر إليه؛ وتُرك ما بينهما ميداناً لاختياره. وهذا تمهيد لازم للاستثناء الذي يأتي بعده.