وَطُورِ سِينِينَ
وَطُورِ سِينِينَ
هذا القسم الثاني، وهو بالجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام. و«الطور» في لسان العرب: الجبل؛ وقيل: هو الجبل الذي ينبت فيه الشجر خاصة، وما لا شجر فيه فليس بطور. و«سينين» و«سيناء» اسم للموضع الذي فيه هذا الجبل، وقد جاء في القرآن الكريم بالوجهين: {وَطُورِ سِينِينَ} هنا، و{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ} في سورة المؤمنون. وقال أهل التأويل: سينين معناه المبارك أو الحسن أو ذو الشجر؛ وقيل: هو اسم للبقعة بعينها لا يُشتق من شيء. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال عن أهل التأويل، وذكر أن الطور هو الجبل الذي نودي منه موسى عليه السلام. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن إضافة الطور إلى سينين إضافة تخصيص لتمييزه عن سائر الجبال، وأن شرفه بما وقع فيه من التكليم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل القسم من المجمل الذي اختُلف في تعيينه إلى المعيَّن المعلوم؛ فطور سينين موضع محدد لا يشتبه، معروف بما وقع فيه من التكليم والمناجاة وإنزال التوراة. وفي هذا الانتقال ارتقاء في درجة الوضوح كما تقدم. ثم إن اختيار هذا الموضع بعينه مناسب لمقصود السورة؛ فإن جوابها في تقرير الدين والجزاء، وقد نزلت الشريعة على موسى عليه السلام من هذا الموضع؛ فكان القسم به استشهاداً بموطن التشريع على صحة ما تقرره السورة من الحساب. وعلى القول بأن التين والزيتون موضعان، تكون الأقسام الثلاثة كلها مواطن وحي؛ فتنتظم انتظاماً تاماً: مبعث عيسى وأنبياء بني إسرائيل، ثم موضع تكليم موسى، ثم مبعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ فتشهد سلسلة النبوات كلها على مضمون واحد.