وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
هذا القسم الثالث، وهو بمكة المكرمة. و{الْأَمِينِ} بمعنى الآمن، أي الذي يأمن فيه أهله والداخل إليه؛ فهو من «الأمن» لا من «الأمانة»؛ وقيل: هو بمعنى ذي الأمن كـ«لابن» و«تامر»؛ وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، أي المأمون فيه. وقد أخبر الله سبحانه عن أمن هذا البلد في غير موضع، كقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}، وقوله على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا}. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المراد بالبلد الأمين مكة، وأن معنى الأمين: الآمن من أن يُغزى أو يُحارب أهله فيه. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الأقسام الثلاثة على أحد الوجوه إشارة إلى ثلاثة مواطن بُعث منها كبار الرسل؛ وأن ختمها بمكة لأنها مبعث خاتمهم صلى الله عليه وسلم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ القسم غايته في القرب والوضوح؛ فبعد المجمل والمعيَّن جاء المشار إليه إشارة الحاضر. والمخاطبون بهذه السورة أهل مكة، وهم في هذا البلد يعاينونه ويتقلبون في أمنه؛ فكان الإتيان باسم الإشارة الدال على الحضور أقطع للحجة وأشد إلزاماً. ثم إن ذكر أمن البلد مناسب لمقصود السورة؛ إذ سيقرر بعده أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم؛ فمن جعل للحجارة والشجر حرمة تُصان وأمناً يُحفظ، فكيف يترك أشرف مخلوقاته سدى لا يُحاسبه ولا يُجازيه؟ فذكر أمن البلد تمهيد خفي لإثبات الجزاء الذي أنكروه. ثم إن الأقسام الثلاثة اجتمعت على معنى واحد يجمعها: أنها مواضع اصطفاها الله؛ فناسب أن يكون جوابها في بيان اصطفاء الإنسان نفسه في أصل خلقته.