فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ
فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): ختمت السورة بتوثيق ذلك الإطباق. وقد ذكر أهل التفسير في معنى الآية أوجهاً: فقيل إن العمد أوتاد وأعمدة تُشدّ بها الأبواب المطبقة عليهم فتكون كالقفل لها والغلق؛ وقيل إنهم يُجعلون في عمد ممددة كالقصب فيها تجويف فيُعذبون داخلها؛ وقيل توضع أرجلهم في عمد ممددة كما يُصنع بالمحبوسين. وأشهر هذه الأوجه الأول وأليقها بالسياق؛ لأن الآية معطوفة على معنى الإيصاد في الآية قبلها، فتكون العمد وصفاً لإحكام الإغلاق لا لهيئة العذاب في نفسه. وقد رُوي عن السلف أن الأبواب أُطبقت عليهم ثم شُدّت بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمّها وحرّها، فلا يُفتح عنهم باب ولا يدخل عليهم رَوح. وفي {عَمَدٍ} قراءتان متواترتان: {عَمَدٍ} بفتح العين والميم، و{عُمُدٍ} بضمهما؛ وكلتاهما جمع لـ«عمود» أو اسم جمع له، والمعنى واحد لا يختلف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة محكمة تُغلق دائرة السورة على أولها. فقد افتُتحت السورة بلسان منطلق لا يُمسك ويد باسطة في الجمع، وخُتمت بإطباق موثّق بالعمد؛ فبين المطلع والختام تقابل تام بين الانبساط والانحصار. ثم إن اختيار «الممددة» بعد {وَعَدَّدَهُ} في أول السورة لطيفة في النظم: فقد ضاعف الرجل عدّ ماله، فقوبل بعمد قد ضوعف مدّها؛ فالتضعيف في الجناية قوبل بالتضعيف في الجزاء، ووقع بين اللفظين تناسب في المادة الصوتية يشدّ آخر السورة إلى أولها. وفي ختم السورة بمشهد الإحكام والتوثيق لا بمشهد اللهب حكمة ظاهرة: أن آخر ما يستقر في نفس السامع هو انسداد المخرج؛ وهو أشدّ ما يقرع من كان يظن أنه لا يُمسّ ولا يُحاصر.