إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ
إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): انتقل الوصف من صفة النار في ذاتها إلى صفة حال أهلها فيها. ومعنى {مُّؤْصَدَةٌ} عند أهل التفسير واللغة: مطبقة مغلقة عليهم؛ من «أوصدت الباب» و«آصدته» إذا أطبقته وأغلقته؛ وعباراتهم فيها متقاربة، فقيل: مسدودة، وقيل: حائط لا باب له. وأصل «الوَصِيد» في اللسان: فناء الباب، وقيل عتبته، وقيل الباب نفسه؛ ومنه قوله تعالى في أهل الكهف: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}. والمعنى: أن هذه النار مطبقة عليهم إطباقاً لا منفذ فيه، فلا يخرج عنهم غمّها ولا يدخل عليهم رَوح؛ فجمع لهم بين ألم الإحراق وضيق الحبس واليأس من المخرج. وقد ذكر أهل التفسير عن السلف أن الأبواب تُطبق عليهم ثم تُشدّ فلا يُفتح عنهم باب أبداً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): نقل النظم في هذه الآية المشهد نقلة محكمة: فقد استوفى وصف النار في ذاتها ــ عظمتها ودوامها ونفاذها ــ فلم يبق إلا أن يُقطع باب الرجاء في المخرج؛ إذ قد يتعلق قلب السامع بأن العذاب مهما اشتد فله انقضاء أو منه فكاك؛ فجاء وصف الإطباق ليسدّ هذا الباب الأخير. ومناسبة هذا لأول السورة بديعة: فإن الرجل إنما استحق ذلك بلسان مطلق لا يُمسك وبيد باسطة في الجمع لا تُقبض؛ فقوبل الانطلاق بالإطباق، والبسط بالحصر؛ فمن لم يحبس لسانه عن الأعراض حُبس في ضيق لا يخرج منه. ثم إن هذه الآية تمهد للأخيرة تمهيداً لازماً؛ إذ الإطباق يحتاج إلى ما يوثّقه، فجاء ذكر العمد بعده توثيقاً للإطباق.