وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ
لما ذُكرت الحطمة في الآية السابقة ذكراً مجملاً، جاء هذا الاستفهام ليقف بالسامع عند حدّ العجز عن الإدراك قبل أن يأتيه البيان. قال الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية في معناه: «يقول: وأي شيء أشعرك يا محمد ما الحطمة؟ ثم أخبره عنها ما هي». وقد قرر أهل التفسير أن ما ورد في القرآن بلفظ {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعقبه الله ببيانه، وما ورد بلفظ «وما يُدريك» فلم يأت بيانه؛ وهذا الموضع من الأول، فقد بُيّنت الحطمة في الآيات الثلاث بعده. والمقصود بهذا الاستفهام تعظيم شأنها وتهويل أمرها؛ إذ إن حقيقتها ليس في المشاهَد من نار الدنيا ما يقاربها ليكون مثالاً لها، فلا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الخبر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من النظم موقع الفاصل الذي يشدّ الانتباه بين ذكر الاسم وبين تفسيره؛ فقد ذُكر الاسم في الآية الرابعة، ولو جاء بيانه متصلاً به لجاء خبراً يمر على السمع مرور غيره؛ فأُدخل بينهما هذا الاستفهام ليقطع الاسترسال ويُحدث في النفس توقفاً وانتظاراً، فيقع البيان بعده في محلّ متهيئ. وهذا الأسلوب مطرد في القرآن في مواضع التهويل؛ كما جاء في القارعة والحاقة وليلة القدر؛ وهو دليل على أن المقام مقام أمر يعظُم عن الإدراك المعتاد. ثم إن في الآية تمهيداً لسياق الترقي الذي يليها؛ إذ ستأتي أوصاف ثلاثة متصاعدة، فناسب أن يُفتتح لها بما يفتح النفس لتلقيها.