كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ
كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ
جاء الردع قاطعاً لذلك الحسبان: ليس الأمر كما ظن، ولا ماله بمخلّده. ثم أُتبع الردع بالإخبار عن مصيره مؤكداً بالقسم المقدر ونون التوكيد. ومعنى {لَيُنبَذَنَّ} عند أهل التأويل: ليُطرحن وليُقذفن؛ وقد قرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن النبذ هو الإلقاء والطرح، وأن أكثر استعماله في إلقاء ما يُكره، ونقل عن صاحب الكشاف في قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} أنه شبههم استحقاراً لهم بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن. و«الحطمة»: اسم من أسماء النار، أو دركة من دركاتها؛ سُميت بذلك لأنها تحطم ما يُلقى فيها، أي تكسره وتهشمه؛ وقد نصّ على هذا أهل التفسير وأهل اللغة جميعاً. وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها على التثنية «لَيُنبَذانِّ»، يعني الهامز اللامز وماله معاً؛ ذكر ذلك الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية؛ وهي قراءة مروية عنه خارجة عن القراءات المتواترة التي عليها العمل، وإنما تُذكر لبيان وجه في المعنى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم هذا الردع مع ما قبله انتظاماً محكماً: فقد حُكيت دعوى في الآية السابقة، فجاء إبطالها هنا بأخصر لفظ وأقطعه؛ ثم لم يُكتفَ بالإبطال المجرد بل قُرن به إثبات النقيض؛ إذ لا يكفي في علاج الوهم أن يقال «ليس الأمر كذلك»، بل يُبيّن ما هو الأمر عليه. فقيل: بل يُنبذ. وفي المقابلة بين فعله وجزائه لطيفة في النظم: فقد كان شأنه الجمع والضم والإحصاء والحفظ، فقوبل بالنبذ والطرح والإلقاء والاستغناء عنه؛ فمن عاش يضم إليه انتهى إلى أن يُلقى هو نفسه. ثم إن اختيار «الحطمة» من بين أسماء النار مقصود بعينه: لأنه من الحطم وهو الكسر، وهو نظير فعله بأعراض الناس؛ فالجزاء من جنس العمل في اللفظ كما هو من جنسه في المعنى.