الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذه الدرجة الثالثة في وصف الحطمة، وهي أشدها وقعاً؛ إذ أخبر سبحانه أن هذه النار تبلغ الأفئدة وتشرف عليها وتعلوها. وذهب أهل التأويل في معنى الاطّلاع إلى أنه العلوّ والإشراف والبلوغ؛ أي أنها تنفذ من الأجساد حتى تصل إلى القلوب فتطّلع عليها. وقد نبّه أهل التفسير على وجه اختصاص الأفئدة بالذكر من بين سائر الأعضاء: أن الفؤاد محل المعتقد والنية والقصد، ومنه صدر ما استحقوا به هذا الجزاء؛ فإن الهمز واللمز صادران عن قلب امتلأ باحتقار الخلق، وحسبان الخلود قائم في الفؤاد لا في الجارحة؛ فناسب أن يكون موضع الإصابة هو موضع الجناية. ثم إن الفؤاد ألطف ما في الإنسان وأشدّ تأثراً بالألم؛ فذكره في مقام التهويل أبلغ من ذكر ما هو أغلظ منه من الأعضاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية الترقي في وصف النار: عظمة بالإضافة، ودوام بالإيقاد، ونفاذ بالاطّلاع. وموقعها من نظم السورة كلها موقع الإحكام؛ فإن السورة بدأت بجناية اللسان، وثنّت بجناية اليد، وثلّثت بفساد القلب؛ ثم لما جاء الجزاء لم يقتصر على ما يصيب الظاهر، بل بلغ الفؤاد الذي هو مصدر الجناية كلها. فالنظم يقيم مقابلة تامة بين مواضع الجرم ومواضع العقوبة؛ إذ لا يكفي في الجزاء العادل أن يقع على الجارحة وحدها ومنشأ الفعل في القلب. وفيه أيضاً ردّ على من يظن أن العقوبة الأخروية إنما هي آلام حسية لا تبلغ الباطن؛ فبيّن أن أشدها ما ينفذ إلى المعنى لا ما يقف عند الجسد.