وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ
وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بكلمة الوعيد والتهديد، فأوجب الويل ــ وهو الخزي والعذاب وسوء المنقلب ــ لكل من قام به هذان الوصفان. وقد اختلفت عبارات السلف في تحديد «الهمزة» و«اللمزة» على وجوه متقاربة يجمعها معنى واحد: الطعن في الناس والوقيعة في أعراضهم. فروى البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله في تفسيرهما: «هم المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العيب». وذهب فريق من أهل التأويل إلى التفريق بينهما: فالهمز بالفعل واليد والعين والإشارة، واللمز باللسان والقول؛ وعكسه آخرون فجعلوا الهمز باللسان واللمز بالعين. وقال بعضهم: الهمزة الذي يغتاب الرجل في غيبته، واللمزة الذي يطعن فيه في وجهه. ومرجع هذه الأقوال كلها إلى أصل واحد: تنقّص الناس وأذاهم في أعراضهم بأي طريق كان؛ فالاختلاف فيها اختلاف تنوع في التمثيل لا اختلاف تضاد في الحقيقة. وأما المعيَّن الذي نزلت فيه فقد ذكر المفسرون فيه أقوالاً: قيل الأخنس بن شريق وكان يلمز الناس ويغتابهم، وقيل الوليد بن المغيرة، وقيل أمية بن خلف، وقيل غيرهم؛ وتعدد هذه الأقوال مع اتحاد الوصف الجامع دليل على أن العبرة بعموم اللفظ، لا سيما وقد صُدّر الحكم بـ{كُلِّ} وهي نص في الاستغراق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): قدّم النظم الجزاء على بيان الجريمة، فبدأ بـ{وَيْلٌ} قبل أن يفصّل ما استُحق به الويل؛ وهذا التقديم مقصود: إذ يستوقف السامع بالمفاجأة قبل أن يستوعب سبب الوعيد، فيتشوّف إلى معرفة الجناية التي استحقت هذا المطلع؛ فإذا جاءت الأوصاف بعده وجدت نفساً مهيأة للتلقي. ثم إن في تصدير السورة بآفة اللسان قبل آفة المال إشارة إلى أن جناية الكلمة أسبق وقوعاً وأخف مؤونة على النفس وأثقل ميزاناً في الحساب. وأما مناسبتها لخاتمة سورة العصر فظاهرة: فقد ختمت العصر بـ{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، وهو أشرف ما يصدر عن اللسان من نصح وتعاون؛ فجاءت الهمزة مفتتحة بنقيضه من كل وجه: لسان لا يبذل خيراً بل ينهش الأعراض.