يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ
يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): انتقل الخطاب من الفعل الظاهر إلى الاعتقاد الباطن الذي يغذيه. والمعنى عند أهل التأويل: يظن هذا الجامع العادّ أن ماله يبقيه في الدنيا ويدفع عنه الموت فلا يهلك. وقال جماعة من المفسرين: ليس المراد أنه يصرّح بهذا الظن بلسانه، فإن أحداً لا يجهل أن الموت نازل بالغني والفقير؛ وإنما المراد أنه يعمل عمل من يظن ذلك؛ فأُطلق الحسبان على ما دلّ عليه الحال. وقال آخرون: يحسب أن ماله يخلّد ذكره بعده فيبقى اسمه في الناس؛ وهذا وجه صحيح في نفسه داخل تحت اللفظ. والقول الأول أظهر وأليق بالسياق؛ لأن الردع الذي يليه بـ{كَلَّا} إنما جاء لإبطال البقاء لا لإبطال بقاء الذكر وحده؛ ثم أُتبع بذكر مصيره في الآخرة، وهو مقابل الخلود في الدنيا لا مقابل الشهرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في موضعها الدقيق من البناء؛ إذ عرضت السورة سلوكاً في الآيتين قبلها ثم كشفت الآن عن جذره؛ وهذا منهج قرآني محكم: ألا يُترك الفعل معلقاً بلا تعليل، بل يُردّ إلى التصور الذي أنشأه. فالحسبان الفاسد هو الينبوع الذي تخرج منه الاستطالة على الخلق والانكباب على الجمع معاً؛ إذ من ظن أن ماله يبقيه صرف إليه كل همته، ومن صرف إليه كل همته احتقر من دونه فيه. ثم إن هذه الآية مهدت لما بعدها تمهيداً لازماً: فإن الردع بـ{كَلَّا} لا يحسن إلا بعد حكاية دعوى؛ فلما حُكي الحسبان صحّ ردعه، ولو لم يُذكر لجاء الردع بلا مردود عليه.