نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا هو البيان الموعود بعد الاستفهام؛ فأخبر سبحانه أن الحطمة هي ناره التي أوقدها لأهل معصيته. وقد أضاف النار إلى نفسه سبحانه إضافة تعظيم وتهويل؛ إذ إن كل شيء في الوجود مخلوق له، وإنما تُخصّ بالإضافة إليه الأشياء التي يُراد تفخيم شأنها كما في {نَاقَةَ اللَّهِ} و{بَيْتِيَ}؛ فإذا نُسبت النار إليه سبحانه عُلم أنها ليست كنار الدنيا التي أوقدها الخلق. ووصفها بأنها {الْمُوقَدَةُ} إخبار بأنها مشتعلة دائمة الاتقاد لا تخبو ولا تسكن؛ وقد ذكر أهل التفسير أن في الوصف باسم المفعول إشارة إلى أن اشتعالها ليس بذاتها استقلالاً، بل بإيقاد الله لها وإمداده إياها؛ ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في موضع آخر: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}. وذكر أهل التفسير أن الاستفهام في قوله {مَا الْحُطَمَةُ} إنما جاء لأنه ليس في الوجود المشاهد ما يقاربها ليكون مثالاً لها، ثم فسرها سبحانه بقوله {نَارُ اللَّهِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية أول درجات البيان الثلاث؛ وهي مرتبة على الترقي في التهويل: فبدأ بالإضافة الدالة على عظم الموصوف {نَارُ اللَّهِ}، ثم بالوصف الدال على دوام الاشتعال {الْمُوقَدَةُ}، ثم بالوصف الدال على النفاذ إلى الباطن في الآية بعدها. وهذا الترتيب يسدّ على النفس أبواب التهوين واحداً بعد واحد: فمن ظن أنها كنار عرفها ردّته الإضافة، ومن ظن أن لها انطفاء ردّه وصف الإيقاد، ومن ظن أنها تصيب الظاهر دون الباطن ردّه ما بعده. ومناسبة هذا لسياق السورة ظاهرة: فإن الرجل كان يظن الخلود بماله، فقوبل بنار موصوفة بالدوام؛ فإذا طلب البقاء أُعطي بقاءً، ولكن في ضد ما أراد.