أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ
افتتح الله سبحانه السورة بخطاب نبيه ﷺ خطاب تقرير وتعجيب من واقعة عرفها العرب قاطبة وأرّخوا بها؛ فقالوا: «عام الفيل»، وجعلوه مبدأ تاريخهم لعظم وقعها في نفوسهم. والمعنى عند أئمة التفسير: ألم تعلم علماً يقوم مقام المشاهدة كيف صنع ربك بالقوم الذين ساقوا الفيل يريدون هدم بيته الحرام؟ وذكر أهل السير والمغازي أن أبرهة الحبشي كان والياً على اليمن من قِبَل ملك الحبشة، وأنه بنى بصنعاء كنيسة عظيمة أراد أن يصرف إليها حج العرب عن البيت الحرام، فلما أُهينت أقسم ليهدمنّ الكعبة، فسار بجيشه ومعه الفيل حتى بلغ المغمّس بقرب مكة، فأصاب فيما أصاب إبلاً لعبد المطلب، فلما كلّمه فيها عجب أبرهة من تركه ذكر البيت، فقال له: «أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه». وهذه الأخبار مما رواه أهل المغازي عن ابن إسحاق ومن نحا نحوه، ونقلها المفسرون كالطبري في جامع البيان وابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه السورة؛ وهي أخبار سِيَر يُستأنس بها في التفصيل، والقطعي منها ما قصه القرآن. وأما أصل الحادثة فقد ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم وكتاب اللقطة، وأخرجه مسلم في كتاب الحج. وثبت في قصة الحديبية قوله ﷺ عن ناقته حين بركت: «مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الشروط في باب الشروط في الجهاد والمصالحة. وفي الحديثين تقرير نبوي لوقوع الحادثة ولنسبة الحبس إلى الله وحده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء مطلع السورة استفهاماً لا خبراً؛ لأن المقام مقام استحضار حادثة قائمة في وجدان المخاطبين، لا مقام إنشاء خبر جديد. والاستفهام التقريري يستنطق السامع بشهادة نفسه، فيصير الدليل نابعاً من داخله لا وارداً عليه؛ وهذا أشد إلزاماً لقريش الذين تربّوا على تعظيم هذه الواقعة وعدّوها من مفاخرهم. ثم إن ذكر «الرب» مضافاً إلى ضمير النبي ﷺ في مفتتح السورة يؤسس لموضوعها كله: أن الذي فعل بهم ذلك هو ربّ هذا المخاطب؛ فمن حمى بيته وهو حجارة مرفوعة، أفيسلم داعيه إلى توحيده؟ وهذه الآية أصل تتفرع عنه الآيات الأربع بعدها؛ فهي إجمال، وما بعدها تفصيل: أُجمل الفعل هنا، ثم فُصّل بإبطال الكيد، ثم بإرسال الطير، ثم بصفة الرمي، ثم بالمآل.