الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ
الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): وصف ثانٍ لذلك المذموم، ينتقل به الخطاب من آفة اللسان إلى آفة اليد. والمعنى عند أهل التأويل: أنه أنفق عمره في تحصيل المال وضمّه بعضه إلى بعض، ثم أنفق ما بقي منه في إحصائه وتقليبه وترديد النظر فيه. وفي معنى {وَعَدَّدَهُ} قولان مشهوران لأهل العلم: أحدهما أنه أحصاه وعدّه مرة بعد مرة استكثاراً له واستلذاذاً بالنظر إليه؛ والثاني أنه جعله عُدّة له وذخيرة لنوائب الدهر يستدفع بها ما ينزل به. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {جَمَعَ} بتشديد الميم على إفادة المبالغة والتكثير، وقرأه الباقون بالتخفيف. والقراءتان متواترتان، وكل واحدة منهما تزيد المعنى وجهاً: فالتشديد يصوّر جمعاً من كل باب ومن كل جهة، والتخفيف يبقي اللفظ محتملاً للكثرة وغيرها فيدخل فيه من قلّ ماله إذا كان قلبه معلقاً به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جمع النظم بين الوصفين ــ الهمز واللمز وجمع المال ــ لأن بينهما تلازماً في الواقع النفسي: فإن الاستطالة على أعراض الناس إنما تنبت في الغالب من شعور بالاستغناء عنهم والعلوّ عليهم؛ ومن أعظم أسباب هذا الشعور المال إذا فُقد معه الإيمان. فمن رأى نفسه فوق الناس بما في يده هان عليه أن يجعلهم مادة ضحكه ومحلّ عيبه. فالآية الثانية كاشفة عن مصدر الآية الأولى لا مجرد وصف مضاف إليها. ثم إن ترتيب {جَمَعَ} قبل {عَدَّدَهُ} ترتيب طبيعي في الزمان والرتبة: فالجمع أولاً، ثم الإحصاء والتقليب ثانياً؛ وفي هذا تصوير لعمر يُستنفد كله في هذين الفعلين، لا يبقى منه فضل لعمل باقٍ.