إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
هذا استثناء من الحكم العام المتقدم؛ والمعنى: إلا الذين صدّقوا بالله ورسله واليوم الآخر تصديقاً جازماً، وعملوا الأعمال الصالحة الموافقة لما شرع الله، وأوصى بعضهم بعضاً بالحق ــ وهو ما ثبت وصح من الاعتقاد والقول والعمل ــ وأوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى ما يصيبهم في ذلك من الأذى؛ فهؤلاء هم الرابحون الناجون من الخسران. وقد ذكر المفسرون أن «الحق» يشمل التوحيد وسائر ما أُنزل من الشرائع، وأن «الصبر» هنا يشمل أنواعه الثلاثة. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه السورة إلى أن الله سبحانه لما ذكر الخسران استثنى من اتصف بهذه الخصال الأربع؛ فهي جامعة لكمال النفس بالإيمان والعمل، ولكمال غيرها بالتواصي بالحق والصبر. ونقل عند هذه السورة عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: «لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم». وذكر أهل العلم أن الرجلين من الصحابة رضي الله عنهم كانا إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثم يسلّم أحدهما على الآخر؛ أخرجه الطبراني في معجمه من حديث أبي مدينة الدارمي رضي الله عنه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستثناء متصلاً بالحكم بلا فاصل؛ وهذا من رحمة الخطاب؛ إذ لو تراخى لأورث القنوط. وترتيب الأوصاف الأربعة في غاية الإحكام: بدأ بالإيمان لأنه أصل قبول العمل، وثنّى بالعمل الصالح لأنه ثمرة الإيمان وبرهانه، وثلّث بالتواصي بالحق لأنه تعدية النفع بعد كماله في النفس، وربّع بالتواصي بالصبر لأنه حارس الثلاثة؛ إذ من قام بالحق ودعا إليه لقي من الأذى ما لا يثبت له إلا بالصبر. فالترتيب في اللفظ هو الترتيب في الوجود؛ ولا يستقيم إبدال شيء منها بشيء. ثم إن هذه الآية تكمل ما بدأته السورة السابقة؛ إذ ختمت التكاثر بالمساءلة عن النعيم، وهذه الآية تبين ما يُجاب به يومئذ.