ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
ختم الله سبحانه السورة بالإخبار المؤكد بالمساءلة عن النعيم. والمعنى: ثم لتُسألُنّ يوم القيامة عن كل ما أنعم الله به عليكم: أشكرتم أم كفرتم؟ ومن أين اكتسبتموه وفيم أنفقتموه؟ واختلف أهل التأويل في المراد بـ «النعيم» على أقوال: فقيل: هو الأمن والصحة، وقيل: الصحة والفراغ، وقيل: العافية وطيب المطعم والمشرب، وقيل: كل ما يُتنعم به من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وأمن ومال. وأصح ما يقال إن اللفظ عام لا مخصص له؛ فيشمل ذلك كله؛ وأعظم النعيم على الإطلاق نعمة الإسلام والإيمان. وقد ثبت في هذا المعنى ما رواه الترمذي في جامعه في كتاب تفسير القرآن عند تفسير هذه السورة، وابن ماجه في سننه في كتاب الأطعمة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يُقال له: ألم نصحّ لك جسمك ونروك من الماء البارد. ونظير ذلك ما رواه الترمذي في جامعه في كتاب صفة القيامة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في السؤال عن العمر والشباب والمال والعلم. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن تعريف {النَّعِيمِ} بالألف واللام يفيد الاستغراق فيعم كل نعيم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة السورة وموضع عقدتها؛ إذ تعود على مطلعها فتربط آخرها بأولها ربطاً محكماً: فُتحت السورة بالتكاثر وهو استكثار من النعم، وخُتمت بالمساءلة عن النعيم؛ فما كان في المطلع مادةً للمباهاة صار في الختام مادةً للمحاسبة. وفي هذا الرد على العجز بالصدر أبلغ ما تُختم به سورة موضوعها الغفلة بالنعم. ثم إن ترتيبها بـ {ثُمَّ} بعد مشهد الرؤية يفيد أن المساءلة تقع بعد المعاينة؛ فيُسأل العبد وهو ينظر إلى ما ينتظره؛ وهذا أشد في المقام. وموقعها من السورة التالية ــ وهي العصر ــ ظاهر: فبعد بيان أن كل نعمة مسؤول عنها، جاءت العصر لتحدد ما ينجي في ذلك السؤال.