ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ
ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ
كرر الله سبحانه الإخبار بالرؤية مع زيادة {ثُمَّ} وزيادة القيد {عَيْنَ الْيَقِينِ}. والمعنى عند أئمة التفسير: ثم لترونها رؤية معاينة لا يخالطها شك ولا يبقى معها ارتياب. واختلف أهل التأويل: فقيل: الرؤية الأولى عند الورود والعرض، والثانية عند الدخول والمباشرة. وقيل: الأولى رؤية عامة والثانية خاصة بأهلها. وقيل: التكرار للتأكيد وزيادة التقرير، و{عَيْنَ الْيَقِينِ} بيان لدرجة الرؤية الأولى نفسها. و«عين اليقين» هي المرتبة الثانية من مراتب اليقين؛ فإن علم اليقين ما ثبت بالخبر والدليل، وعين اليقين ما ثبت بالمشاهدة والنظر، وحق اليقين ما ثبت بالمباشرة والذوق؛ كما قال تعالى في موضع آخر: {إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ}. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن الرؤية المذكورة رؤية بصر لا رؤية علم؛ بدليل تقييدها بـ {عَيْنَ الْيَقِينِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية السلم المعرفي الذي بنته السورة: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} خبر، ثم {عِلْمَ الْيَقِينِ} استدلال، ثم {عَيْنَ الْيَقِينِ} مشاهدة؛ ثلاث مراتب متصاعدة تنتظم آيات السورة انتظاماً محكماً. وموقع هذه الآية بين مشهد الرؤية في السادسة وبين المساءلة في الثامنة موقع الوسط الذي يشتد فيه الأمر قبل الختام؛ فبعد أن رأى وعاين، بقي أن يُسأل؛ وترتيب المساءلة بعد المعاينة أشد على النفس من ترتيبها قبلها؛ إذ يُسأل وهو ينظر إلى مصيره.