كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
هذا الردع الثالث، وقد تغير أسلوبه عن سابقيه؛ فانتقل من الوعيد بالمستقبل إلى فرض العلم في الحاضر. والمعنى عند أئمة التفسير: ارتدعوا؛ لو كنتم تعلمون علماً يقينياً لا يخالطه شك ما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى العمل، ولشغلكم ما أمامكم عما أنتم فيه. وجواب {لَوْ} محذوف عند جمهور المفسرين والمعربين؛ والحذف مقصود لتذهب النفس في تقديره كل مذهب. و«علم اليقين» هو العلم الثابت الذي لا يعتريه ريب ولا تردد، وهو المرتبة الأولى من مراتب اليقين الثلاث التي جاءت في القرآن: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن العلم اليقيني لو حصل للناس لحملهم على المبادرة، وأن التقصير في العمل دليل على نقص في اليقين لا على نقص في العلم المجرد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفصل السورة الذي ينتقل عنده الخطاب من مقام الوعيد إلى مقام البيان. فبعد ردعين متتابعين بصيغة واحدة، جاء الردع الثالث بصيغة مغايرة تفتح باباً جديداً: باب «لو»؛ وهو باب التمني والافتراض. ثم إن ذكر «علم اليقين» هنا تمهيد ضروري لما بعده؛ إذ ستأتي الآية السابعة بـ «عين اليقين»؛ فلو لم تُذكر المرتبة الأولى لما استقام الترقي إلى الثانية. فالآية إذاً حلقة وصل بين مقطع الوعيد ومقطع المشاهدة، وبها ينتظم السلم المعرفي الذي بُنيت عليه السورة.