كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
لما بيّن الله سبحانه حال الغافلين وامتداد اشتغالهم إلى القبر، ردعهم بحرف الزجر ثم توعدهم بعلم آتٍ. والمعنى عند أئمة التفسير: ارتدعوا وانتهوا عما أنتم فيه من المكاثرة والغفلة؛ فسوف تعلمون عاقبة ما صنعتم وتعرفون خطأ ما كنتم عليه. واختلف أهل التأويل في وقت هذا العلم على أقوال: فقيل: عند الموت ومعاينة الملائكة، وقيل: في القبر وعند السؤال فيه، وقيل: يوم البعث والحساب. والتحقيق أن اللفظ محتمل لهذه المراتب كلها؛ إذ لم يُقيّد بوقت، وهي مراتب متعاقبة يشتد فيها العلم؛ فحمله على الجميع أولى من تخصيصه بواحدة بلا مخصص. وقرر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن {كَلَّا} في هذا الموضع ردع وزجر عما هم عليه من التكاثر والتفاخر، وأن ما بعدها وعيد لهم بما سيلقونه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الردع عقب تصوير الحال مباشرة بلا فاصل؛ لأن المقام يقتضي المبادرة إلى القطع قبل أن يستقر في النفس شيء من عذر أو تسويغ. وترتّب {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} على {كَلَّا} ترتيب المعالجة على التشخيص: نهي عن الحال، ثم إشعار بما ينتظر المصرّ عليها. وحذف مفعول العلم مناسب لحذف مفعول الإلهاء في الآية الأولى؛ فاطردت السورة على إبهام يُبقي المعنى مفتوحاً؛ وهذا الإبهام في مقام التهديد أشد وقعاً من التعيين؛ إذ النفس تتوجس مما لا تعرف حده أكثر مما تتوجس مما عُيّن لها.