حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
هذه الآية بيان لغاية الإلهاء ومنتهاه؛ والمعنى عند جمهور المفسرين: استمر بكم هذا الاشتغال والتباهي بالكثرة حتى أدرككم الموت فصرتم إلى القبور؛ فعُبّر عن الموت بزيارة المقابر. وذهب فريق من أهل التأويل إلى معنى ثانٍ: أن التكاثر بلغ بهم أن ذهبوا إلى المقابر يعدّون موتاهم مباهاةً بالعدد؛ وهو معنى تشهد له الرواية التي ذكرها المفسرون في سبب النزول عن الحيّين المتفاخرين. والمعنى الأول أعم وأليق بعموم اللفظ وبسياق السورة؛ إذ السياق سياق تصوير عمر ضائع لا سياق حكاية حادثة. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن التعبير بالزيارة يدل على أن المقبرة ليست دار إقامة؛ لأن الزائر منتقل عن موضع زيارته لا مقيم فيه. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن في الآية دليلاً على أن البرزخ منزل عبور لا منزل استقرار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ربطت {حَتَّىٰ} بين الآيتين ربطاً يجعلهما جملة واحدة في المعنى: فعل مستغرق، وغاية هي الموت. ولو حُذفت الآية الثانية لبقي الإلهاء مبهم المدى؛ فجاءت لتقول: لم ينقطع هذا الاشتغال بمرض ولا بمصيبة ولا بمشيب ولا بموعظة، بل استمر إلى آخر لحظة. وفي جعل الغاية «زيارة المقابر» لا «الموت» صراحةً نكتة نظمية: فإن ذكر الموت يُنهي المشهد، أما ذكر المقابر فيفتح مشهداً جديداً هو مشهد ما بعد القبر؛ ولذلك جاءت الآيات بعدها تتكلم عن العلم الآتي والرؤية والمساءلة؛ فالآية جسر بين الدنيا والآخرة في السورة.