ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
كرر الله سبحانه الردع والوعيد بلفظه مع زيادة {ثُمَّ}. واختلف أهل التأويل في هذا التكرار على قولين مشهورين: فذهب فريق إلى أنه تأكيد محض للأول على عادة العرب في تكرار الوعيد لتقريره في النفس، ونظيره قول القائل لمن يتهدده: «سوف تعلم، ثم سوف تعلم». وذهب فريق آخر إلى أن الثاني غير الأول؛ فالأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند البعث والحساب؛ ورجّح هذا كثير من المحققين استناداً إلى أن {ثُمَّ} تفيد الترتيب مع التراخي؛ فيكون العلم الثاني في مرتبة متأخرة عن الأول. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن التكرار مع زيادة {ثُمَّ} يفيد أن الوعيد الثاني أشد في الرتبة من الأول، وأن التراخي في {ثُمَّ} هنا تراخٍ في المرتبة لا في الزمن وحده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من النظم موقع الطرقة الثانية على المسمار؛ فالطرقة الأولى تُثبته والثانية ترسّخه. وقد جاء التكرار في السورة على ثلاث مراتب: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}، ثم {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}، ثم {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}؛ فالأوليان في صيغة الوعيد المستقبل، والثالثة في صيغة التمني الممتنع؛ وبهذا التدرج ينتقل الخطاب من التهديد إلى الاستدعاء؛ كأنه بعد أن هدد مرتين قال: لو أنكم تعلمون الآن ما استحققتم هذا التهديد. وفي هذا التدرج رحمة مضمرة في ثوب الشدة.