أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ
افتتح الله سبحانه السورة بخطاب توبيخي عام؛ والمعنى عند أئمة التفسير: شغلكم التفاخر بكثرة الأموال والأولاد والعشائر والأنساب عن طاعة الله وعن الاستعداد لما بين أيديكم من الدار الآخرة. وذهب جمهور المفسرين إلى أن الخطاب متوجه إلى المشركين من أهل مكة أصالةً؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بالعدد ويتباهون بالأحساب حتى بلغ بهم الأمر إلى عدّ الموتى. وذهب فريق إلى أن الخطاب عام يتناول كل غافل مشتغل بالمكاثرة وإن كان مسلماً؛ لأن اللفظ عام والعبرة بعمومه. وقد رُوي في سبب النزول أن حيّين من العرب تفاخرا بالعدد فلما تكاثرا بالأحياء صاروا إلى المقابر يعدّون موتاهم؛ وهذا مروي عند المفسرين في كتب التفسير من غير طريق الكتب التسعة، وهو صالح لبيان المعنى غير قاضٍ بتخصيص العموم. وقد ثبت في هذا الباب أصل عظيم فيما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، ومسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، من حديث ابن عباس وأنس رضي الله عنهما مرفوعاً: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ». وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير الآية الأولى من سورة التكاثر أن صيغة «التفاعل» في {التَّكَاثُرُ} دالة على المغالبة بين طرفين، فالمذموم هو المباراة في الكثرة لا الكثرة نفسها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتتاح السورة بالفعل الماضي مسنداً إلى «التكاثر» بناء دقيق؛ إذ جعل التكاثرَ فاعلاً والمخاطَبين مفعولين؛ فصوّرهم منفعلين مقهورين لا فاعلين مختارين؛ وهذا أبلغ في التشنيع؛ لأنه يكشف أن الرجل يظن نفسه مالكاً وهو في الحقيقة مملوك لما يجمع. ثم إن تقديم الفعل على الفاعل في هذا التركيب يجعل السامع ينتظر الفاعل ليعرف من الذي فعل به هذا؛ فإذا جاء {التَّكَاثُرُ} وقع في النفس موقع المفاجأة والتحقير معاً. وهذه الآية أصل السورة الذي تتفرع عنه آياتها كلها: فالآية الثانية بيان لمداه، والآيات بعدها ردع عليه وبيان لعاقبته.