وَالْعَصْرِ
وَالْعَصْرِ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بالقسم بالعصر مجرداً من كل قيد. واختلف أهل التأويل في المراد به على أقوال معتبرة: فذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد الدهر والزمان كله؛ لما فيه من العبر وتقلب الأحوال ومرور الأمم؛ فهو ظرف الأعمال ومحل الربح والخسارة. وذهب فريق إلى أن المراد آخر النهار من زوال الشمس إلى غروبها؛ لأنه وقت انصرام النهار وتنبيه على انصرام العمر؛ ومنه سمي «العصر» لأنه يُعصر فيه النهار أي يُستخرج آخره. وذهب فريق ثالث إلى أن المراد صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى المخصوصة بمزيد العناية، ولأن القسم بها تشريف لها. والقول الأول أعم وأشمل، وهو الأليق بسياق السورة؛ إذ جواب القسم متعلق بخسران الإنسان في عمره، فناسب أن يكون المقسَم به هو العمر نفسه. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير الآية الأولى من سورة العصر أن تجريد المقسم به من القيد يجعل اللفظ محتملاً لهذه المعاني كلها، وأنه لا مانع من حملها عليه جميعاً إذ لا تعارض بينها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن يُقدَّم القسم على الجواب؛ لأن المقام مقام إصدار حكم عام على جنس الإنسان، والحكم العام يحتاج إلى ما يشد إليه السمع ويهيئ النفس لتلقيه. ثم إن المقسَم به هنا ليس أجنبياً عن المقسَم عليه، بل هو الدليل عليه؛ فالزمن نفسه هو الشاهد على خسارة الإنسان؛ إذ ما من لحظة تمر إلا وقد نقصت من العمر، فمن لم يعمّرها بما ينفع فقد خسرها ولا سبيل إلى ردها. وموقع هذه الآية من السورة السابقة ظاهر: فقد ختمت التكاثر بمشهد عمر أُنفق في المغالبة حتى انقضى، فجاءت العصر تقسم بذلك العمر نفسه.