فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
هذه القاعدة الجامعة التي خُتمت بها السورة؛ والمعنى: فمن يعمل زنة أصغر شيء يُتصور من الخير يرَ ثوابه وجزاءه، لا يضيع عليه منه شيء. وذهب جمهور المفسرين إلى أن «الذرة» هي النملة الصغيرة الحمراء، وقيل: ما يُرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة من الهباء؛ وكلا القولين يؤول إلى معنى واحد وهو أقل ما يُتصور من المقدار؛ فالمقصود المبالغة في القلة لا تحديد جرم بعينه. وقد بيّن النبي ﷺ عظم هذه الآية؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سُئل ﷺ عن الحمر فقال: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}»؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، ومسلم في صحيحه في كتاب الزكاة. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا من أعظم ما يُرغّب في فعل الخير وإن قلّ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية والتي بعدها في موضع النتيجة من السورة كلها؛ فقد بُنيت السورة على مقدمات ثلاث: زلزلة تُخرج المكنون، وشهادة تُفصح عن المستور، وعرض يُري كل عامل عمله؛ ثم جاءت الخاتمة تقرر الميزان الذي يجري عليه هذا كله. وموقعها بعد {لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} في غاية الإحكام؛ إذ فُهم من الإجمال هناك أن الأعمال تُعرض، فبقي في النفس سؤال: أتُعرض كلها أم كبارها؟ فجاء الجواب: حتى مثقال الذرة. وتقديم الخير على الشر مقصود؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه، ولأن المقام مقام ترغيب قبل الترهيب، ولأن الغاية من السورة الحمل على العمل لا مجرد التخويف.