إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
افتتح الله سبحانه السورة بمشهد الزلزلة الكبرى التي تُطوى بها الحياة الدنيا. والمعنى عند أئمة التفسير: إذا حُرِّكت الأرض واضطربت اضطراباً شديداً متتابعاً هو زلزالها المقدَّر لها المعروف عند الله، الذي لا يقع لها مثله قط. وذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الزلزلة من مقدمات قيام الساعة، ثم اختلفوا: فقيل هي التي تكون عند النفخة الأولى حين تخرب الدنيا، وقيل هي التي تكون عند النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين؛ ورجّح كثير من المحققين الأول؛ لأن السياق ذكر بعدها إخراج الأثقال ثم صدور الناس، وهو ترتيب يبتدئ بخراب الأرض. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن إضافة الزلزال إلى الأرض تفيد أنها الزلزلة التي كُتبت لها بعينها لا زلزلة من الزلازل المعهودة. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن ما يصيب الأرض في الدنيا من الزلازل إنما هو إنذار وتخويف، وأما هذه فزلزلة انتهاء لا زلزلة تذكير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن تُفتتح السورة بالحدث لا بالخبر عنه؛ فلم يُقل «سيزلزل الله الأرض» ولا «اذكروا يوم تُزلزل»، بل نُقل السامع دفعة واحدة إلى داخل المشهد بأداة الظرف؛ فصار كأنه يعاين لا كأنه يسمع. ثم إن البدء بالأرض دون السماء والجبال مقصود؛ لأنها القرار الذي تعلّق به إحساس الإنسان بالأمان، وعليها بُنيت أوهامه في الملك والبقاء؛ فإذا نُزع منها الثبات انهار في نفسه كل ما بناه عليها. وهذا الافتتاح يمهّد للآية بعده تمهيداً لازماً؛ إذ الاضطراب الشديد مقدمة طبيعية لانفتاح الجوف وإخراج ما فيه.