يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا
هذا جواب سؤال الإنسان المتقدم؛ والمعنى: في ذلك اليوم تُخبر الأرض بما عُمل عليها من خير وشر. وذهب أكثر المفسرين إلى أنها تُحدّث نطقاً حقيقياً يُسمع، تشهد على كل عبد بما عمل على ظهرها. وذهب بعضهم إلى أن تحديثها بلسان الحال؛ أي يظهر عليها من الآثار ما يقوم مقام الخبر؛ والأول هو الذي عليه الجمهور؛ إذ لا مانع من إنطاق الله ما شاء من خلقه، وقد أخبر سبحانه بنطق الجلود في قوله: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}؛ فنطق الأرض من هذا الباب. وروي في تفسيرها عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قرأها ثم قال: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا»؛ أخرجه الترمذي في جامعه في أبواب صفة القيامة، وذكره ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تقدّم الظرف {يَوْمَئِذٍ} على الفعل؛ وفي هذا التقديم إفادة الاختصاص والتهويل؛ أي في ذلك اليوم بعينه لا في غيره يقع هذا الأمر العجيب. وموقع الآية من السياق أنها الجواب المنتظر بعد سؤال الإنسان؛ ولكنه جواب لا يأتيه من عالم ولا من رسول، بل من الأرض نفسها التي سأل عنها؛ فصار المسؤول عنه هو المجيب؛ وهذا من أبلغ ما يقع في تصوير المفاجأة. ثم إن هذه الآية تمهّد للتي بعدها؛ إذ نطق الجماد يستدعي سؤالاً آخر: بأي شيء نطقت؟ فأجيب: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}؛ فالسياق مبني على سلسلة يفضي كل حلقة منها إلى ما بعدها.