وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا
وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا
لما وقعت الزلزلة وخرجت الأثقال، أعقب ذلك ذهول الإنسان وسؤاله. والمعنى عند أئمة التفسير: وقال الإنسان مستعظماً مستغرباً: ما شأن هذه الأرض؟ وأي شيء عرض لها حتى اضطربت هذا الاضطراب ولفظت ما في جوفها؟ وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذا القول يصدر من الكافر خاصة؛ لأن المؤمن قد علم ما وُعد به فلا يستغرب. وذهب آخرون إلى أن اللفظ عام في جنس الإنسان؛ لأن هول المشهد يبلغ بكل مشاهد حد الدهش وإن كان مصدّقاً بوقوعه؛ إذ فرق بين العلم بالشيء وبين معاينته. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن تعريف «الإنسان» هنا للجنس، وأن السؤال سؤال تعجب لا سؤال استعلام؛ إذ ليس المقام مقام طلب علم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أهل التأويل فسّروا {مَا لَهَا} بقولهم: أي شيء أصابها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء صوت الإنسان في وسط المشهد الكوني ليكون فاصلاً بين شطري الحدث: شطر يقع في الأرض، وشطر يقع في الناس. وموقع هذه الآية من النظم بالغ الدقة؛ فإنها تحوّل المشهد من وصف خارجي إلى انفعال داخلي؛ فبعد أن رأينا الأرض تضطرب وتُخرج، سمعنا أثر ذلك في النفس البشرية. ثم إن هذا السؤال هو الذي يستدعي الجواب في الآيتين بعده؛ فقد سأل الإنسان {مَا لَهَا}، فأجيب بأنها {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}؛ فانتظم السياق سؤالاً وجواباً على أتم ما يكون؛ وهذا من أبين شواهد تلاحم آي السورة.