بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا
بيّن الله سبحانه سبب نطق الأرض وسندَه؛ والمعنى: تُحدّث أخبارها بسبب أن ربك أوحى إليها وأذن لها وأمرها بذلك؛ فما نطقت من تلقاء نفسها ولكن بإذن ربها. وذهب المفسرون في معنى «الإيحاء» هنا إلى أنه الأمر والإذن؛ أي أمرها بأن تُحدّث. وقيل: أوحى لها أي أوحى إليها؛ فاللام بمعنى «إلى». وقيل: أعلمها وألهمها ما تقول. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الأرض إنما تشهد بما أُذن لها فيه؛ فالتصرف كله راجع إلى الله. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن أهل العلم قالوا: أوحى لها أي أذِن لها، والإذن نوع من الأمر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية علة للتي قبلها؛ فبعد أن أُثبت النطق للأرض، رُدّ الأمر إلى مصدره حتى لا يبقى في النفس شبهة استقلال المخلوق بالفعل. وفي هذا الترتيب حكمة دقيقة: أن يُذكر الفعل أولاً لتهويله، ثم تُذكر علته ثانياً لتحقيق التوحيد؛ فلا يُترك السامع مع صورة أرض ناطقة كأنها فاعلة بذاتها. ثم إن الأرض إذا نطقت بأمر ربها فقد قامت الحجة، فلم يبق إلا أن يُعرض الناس على أعمالهم؛ فكانت العلة جسراً بين مشهد الشهادة ومشهد العرض. وموقع الخطاب فيها {رَبَّكَ} في وسط السورة تثبيت للنبي ﷺ في أثناء التهويل؛ فذُكّر بأن مالك هذا الحدث كله هو ربه الذي تولاه.