وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
عطف الله سبحانه على الزلزلة أثرها المباشر؛ فالأرض إذا اضطربت هذا الاضطراب انفتح جوفها فلفظت ما استودعته. واختلف أهل التأويل في المراد بالأثقال على أقوال متقاربة: فقيل الموتى تخرجهم من بطنها أحياء، وهو قول جمهور المفسرين؛ وقيل ما فيها من الكنوز والمعادن؛ وقيل هما معاً، وهذا أجمعها وأولاها؛ إذ اللفظ يحتملهما ولا مانع من إرادتهما. وقد ثبت في السنة ما يشهد لإخراج الكنوز؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر أن الأرض «تَقِيءُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلتُ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعتُ رحمي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الجمع بين القولين هو الصواب؛ لأن الأرض تُخرج ما في بطنها من الأجساد كما تُخرج ما فيه من المعادن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الإخراج تالياً للزلزلة على ترتيب السبب والمسبب؛ فلا يُلفظ المدفون حتى ينخلع الموضع الذي دُفن فيه. وفي هذا الترتيب معنى دقيق: أن الأرض لا تُفشي ما لديها إلا حين يزول عنها ما كانت عليه من قرار؛ فما دامت مستقرة فهي حافظة، فإذا زال أمرها زال كتمانها. وفي الآية تمهيد لما بعدها من وجهين: أن خروج الأجساد شرط في وجود من يقول {مَا لَهَا}؛ وأن إخراج ما في الجوف أول درجات النطق؛ إذ إبراز المستور نوع من الإخبار عنه بالفعل قبل الإخبار عنه بالقول في الآية الرابعة؛ فتدرج السياق من إفشاء بالحال إلى إفشاء بالمقال.