الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ
الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ
هذه الآية صفة للوزر المذكور قبلها، جاءت لتصوير مبلغ ثقله. ومعنى {أَنقَضَ}: أثقل حتى سُمع له نقيض، وهو الصوت الخفيف الذي يخرج من الشيء إذا حُمّل فوق طاقته. قال أهل اللغة: النقيض صوت المحامل والرحال والأضلاع إذا ثقل عليها الحمل؛ يقال: أنقض البعير بحمله، إذا سُمع لظهره صرير من ثقله؛ ومنه «أنقض الحمل ظهره» أي أثقله حتى جعله يسمع له صوتاً. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معنى {أَنقَضَ ظَهْرَكَ}: أثقل ظهرك؛ وأن الإنقاض في كلام العرب هو الصوت الذي يكون من الثقل. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن أصل النقض في اللغة الصوت، وأن المعنى: حتى سُمع له نقيض من شدته؛ وهو تصوير للثقل بأبلغ ما يكون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): لم يُترك الوزر في الآية السابقة مجملاً، بل قُرن به وصف يبين قدره؛ وهذا من تمام البلاغة في مقام الامتنان؛ إذ عظم المنّة على قدر عظم المدفوع بها. فلو قيل: «ووضعنا عنك وزرك» ثم انتقل إلى غيره لبقي في النفس تساؤل عن مبلغ ذلك الوزر؛ فجاءت هذه الآية لتسد هذا الباب وتقرر أن الموضوع عنه كان حملاً لا يُطاق. ثم إن مجيء الوصف في آية مستقلة لا معطوفة على ما قبلها ولا مندمجة فيها، جعل له وقعاً في السمع مستقلاً؛ فوقف السامع عندها وقفة تامة، فاستقر في نفسه ثقل الحمل قبل أن ينتقل إلى المنة الثالثة.