وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
هذه المنة الثانية؛ والمعنى: وحططنا عنك ثقلك الذي كان يُثقلك. و«الوزر» في اللغة: الحمل الثقيل؛ ومنه سُمّي الذنب وزراً لثقله على صاحبه، ومنه «الوزير» لأنه يحمل عن الأمير ثقل تدبيره. واختلف أهل التأويل في المراد بالوزر هنا على أقوال: فقال جماعة: هو ما كان قبل النبوة من أمر الجاهلية مما لم يكن عن قصد إلى معصية؛ وضعه الله عنه بالنبوة وعصمه بعدها. وقال آخرون: هو ثقل أعباء الرسالة وما كان يجده صلى الله عليه وسلم من هم الدعوة وحمل الأمانة قبل أن يفتح الله عليه ويثبته. وقال ثالث: هو ما كان يجده من إعراض قومه وشدة حرصه على هدايتهم حتى كاد يهلك نفسه أسفاً. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير الوزر بالثقل، وأن معنى وضعه: حطّه والتخفيف منه. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الوزر مستعار لما يشق على النفس ويثقلها من الهموم والأعباء، وأن الأصل في اللفظ الحمل الحسي ثم استُعمل في المعنوي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه المنة تالية لشرح الصدر على أحسن ترتيب؛ فإن الحامل للثقل يحتاج إلى أمرين: قوة تحتمل، وتخفيف للمحمول؛ فذُكر الأول في شرح الصدر والثاني في وضع الوزر؛ فاجتمع له صلى الله عليه وسلم كمال الآلة وخفة الحمل. ثم إن العدول من صيغة الاستفهام في الأولى إلى صيغة الإخبار في هذه فيه لطيفة نظمية: فإن الاستفهام التقريري لما استقر مضمونه في نفس المخاطب صار الإخبار بعده مبنياً على مقرَّر مسلَّم؛ فتوالت المنن الباقية إخباراً لا استفهاماً. وقد رُبطت هذه الآية بالتي بعدها ربطاً وثيقاً؛ إذ جاءت الثالثة صفة للوزر تبين مبلغ ثقله؛ فلم يُترك اللفظ مجملاً بل قُرن به ما يصور شدته.