إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
أعاد الله سبحانه الجملة بلفظها توكيداً وتقريراً. واختلف أهل العلم في هذا التكرار على وجهين مشهورين: فذهب جماعة إلى أنه توكيد لفظي محض، جيء به لتثبيت المعنى في القلب؛ وهو الأصل في تكرار الجملة بنصها. وذهب آخرون إلى أن الجملة الثانية تفيد معنى زائداً؛ فإن العسر المعرَّف في الموضعين واحد لأن المعرفة إذا أُعيدت كانت عين الأولى، واليسر المنكَّر في الموضعين اثنان لأن النكرة إذا أُعيدت كانت غير الأولى؛ فينتج أن مع العسر الواحد يسرين. وعلى هذا الوجه بُني الأثر المشهور: «لن يغلب عسر يسرين». ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذا التوجيه عن أهل التأويل. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الإعادة تفيد التقرير والتثبيت، وأن ما ذُكر من قاعدة المعرفة والنكرة وجه لطيف تحتمله الصيغة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع التثبيت بعد التقرير. فقد قُرّرت القاعدة في الآية الخامسة مفرَّعة على المنن، ثم أُعيدت هنا مجردة من التفريع؛ لتستقر في النفس مستقلة عن شواهدها؛ فتصير حكماً كلياً قائماً بذاته يُحتج به في كل حال، لا نتيجة مقيدة بالمقدمات التي سيقت لها. وهذا من دقة النظم؛ إذ لو اقتُصر على الأولى لبقيت القاعدة مرتبطة بحال النبي صلى الله عليه وسلم خاصة؛ فلما أُعيدت مجردة تحررت من قيد السياق وصارت قانوناً عاماً لكل مبتلى. ثم إن مجيء هذا التوكيد قبل الأمر بالنصب في الآية بعدها لازم؛ إذ لا يُكلَّف بمواصلة العمل من لم يستقر عنده أن الشدة موصولة بالفرج.