فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ
هذه أول ثمرتي السورة العمليتين. والمعنى: فإذا فرغت من شغلك فاجتهد وأتعب نفسك في شغل آخر. و«النصب» في اللغة: التعب والإعياء؛ ومنه {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ}. واختلف أهل التأويل في تعيين المفروغ منه والمنصوب فيه على أقوال متقاربة: فقال جماعة: إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء وسل ربك حاجتك. وقال آخرون: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ثالث: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في العبادة والقيام. وقال رابع: إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال، وذكر أن أولاها ما كان أعم؛ إذ لم يخصص الله فراغاً دون فراغ ولا نصباً دون نصب، فالآية على عمومها. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن المعنى: إذا تفرغت من أشغالك فاجتهد في العبادة والدعاء، ولا تكن ممن إذا فرغ من شغله لها ولعب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء في {فَإِذَا} مفرّعة على مجموع ما تقدم؛ فبعد أن ذُكرت المنن الثلاث وقُرّرت قاعدة اليسر مرتين، جاء الأمر بالعمل. وهذا الترتيب هو منهج القرآن الكريم في التكليف: يقدم الامتنان ليستدعي الشكر، ويقدم الوعد ليقوي العزم، ثم يأمر. ولو قُدّم الأمر على المنن لجاء تكليفاً ثقيلاً على نفس مثقلة؛ فلما أُخّر جاء مطلوباً هيّناً على نفس قد شُرح صدرها ووُضع وزرها ورُفع ذكرها ووُعدت باليسر. ثم إن هذه الآية متصلة بالتي بعدها اتصال العمل بالغاية؛ فأُمر بالنصب ثم أُمر بأن تكون رغبته في ذلك كله إلى ربه وحده؛ فتم بذلك تصحيح الوجهة بعد تحقيق العمل.