وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
هذه المنة الثالثة، وهي رفع الذكر. والمعنى: أعلينا لك صيتك وأشدنا لك ثناءك في الدنيا والآخرة. قال أهل التأويل: رفع ذكره صلى الله عليه وسلم بأن قرن اسمه باسمه في كلمة التوحيد، وفي الأذان والإقامة والتشهد والخطب؛ فلا يُذكر الله في هذه المواضع إلا ذُكر معه رسوله. وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في تفسير هذه الآية أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم. قال: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»؛ أخرجه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، وقد تكلم أهل العلم في إسناده، ومعناه ثابت بالمشاهدة والاستقراء لا يحتاج إلى دليل خارج. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معنى رفع الذكر: أن لا يُذكر الله إلا ذُكر معه رسوله صلى الله عليه وسلم. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا الرفع شامل للدنيا والآخرة، وأنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمت بهذه الآية المنن الثلاث؛ وقد جاءت في ترتيب بديع: شرح للصدر وهو أمر باطن، ثم وضع للوزر وهو تخفيف عن الظهر، ثم رفع للذكر وهو أمر ظاهر في الآفاق؛ فتدرج من أخص ما يتصل به إلى أعم ما ينتشر عنه. وفيه أيضاً تقابل لطيف بين المنة الثانية والثالثة: فقد «وُضع» عنه الوزر و«رُفع» له الذكر؛ فجُمع بين الوضع والرفع في آيتين متجاورتين، وكل منهما نعمة؛ لأن الوضع لما ثقل والرفع لما شرف. ثم إن هذه المنن الثلاث مجموعها تمهيد لازم لما بعدها؛ إذ سيُفرَّع عليها بالفاء قانون مقارنة اليسر للعسر؛ فكأن السورة تقول: انظر ما جرى لك من تحول الضيق إلى سعة والثقل إلى خفة والخمول إلى رفعة، ثم اعلم أن هذه سنة مطردة لا حادثة عارضة.