أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ
تفتتح السورة بخطاب موجه إلى النبي ﷺ وإلى كل من يصلح للخطاب من أمته، يستدعي النظر والتعجب من حال رجل بلغ به الجحود أن يكذب بيوم الجزاء والحساب: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}. وذكر الواحدي في "أسباب النزول" عند صدر السورة أن مقاتلاً والكلبي قالا: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وحكى عن ابن جريج أن أبا سفيان بن حرب كان ينحر كل أسبوع جزورين، فأتاه يتيم فسأله شيئاً فقرعه بعصا، فنزلت. وقد قرر المفسرون أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فالسورة حكم عام على كل من اتصف بهذه الأوصاف إلى قيام الساعة. و"الدين" هنا هو الجزاء والحساب، كما قرره الطبري في "جامع البيان" عند تفسير الآية الأولى من سورة الماعون، ورجحه ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" في الموضع نفسه؛ لأن هذا هو الأصل في إطلاق الدين مقروناً بالتكذيب، ومنه قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. وذهب فريق إلى أن المراد دين الإسلام وشريعته، ولا تعارض بينهما؛ فالتكذيب بالجزاء تكذيب بالشريعة التي جاءت به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء افتتاح السورة بالاستفهام لا بالخبر ليكون المخاطب مهيَّأً لتلقي الحكم؛ فالسؤال يوقظ الذهن ويحرك الفضول، ثم تأتي الأوصاف بعده فتقع في النفس موقع الجواب المنتظر. وقد وضع السياق التكذيب بالدين في صدر السورة ليكون هو الأصل الذي تتفرع عنه سائر الأوصاف في الآيات بعده؛ فليس دفع اليتيم وترك الحضّ ومنع الماعون خصالاً منفكة، بل هي ثمرات لجذر واحد هو خواء القلب من اليقين بالحساب. وهذا ترتيب محكم يقدّم العلة على معلولها، والداء على أعراضه.