الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ
الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): ختم الله السورة ببيان الوصف الذي به استحق أن يُعبد وحده؛ فذكر نعمتين هما قوام الحياة: كفاية الطعام، وأمن المقام. جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: «يعني قريشاً أهل مكة، بدعوة إبراهيم حيث قال: {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ}، {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} حيث قال إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا}»؛ وعن مجاهد في قوله: {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} قال: «من كل غزو في حرمهم»؛ وعن قتادة قال: «كانوا يقولون: نحن من حرم الله؛ فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية، يأمنون بذلك، وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أُغير عليه»؛ أخرج ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عند تفسير هذه السورة. وهو موافق لما قرره القرآن في موضع آخر: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}؛ فالأمن الذي عاشوه لم يكن ثمرة منعة، بل ثمرة حرمة جعلها الله لبيته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة تعيد المعنى الأول بعبارة أخرى؛ فما ذُكر في المطلع باسم «الإيلاف» فُصّل هنا بفعلين صريحين منسوبين إلى الله؛ فانكشف الفاعل الذي طُوي في الآية الأولى. وبهذا استدارت السورة على نفسها: بدأت بنعمة مجملة مطوية الفاعل، وختمت بها مفصّلة مسماة الفاعل؛ فصارت الخاتمة تفسيراً للمطلع. ومن لطف الترتيب أن الوصفين جاءا بعد الأمر لا قبله؛ إذ لو قُدّما لأشبه الأمر المعاوضة، فلما أُخّرا صارا تعليلاً مؤكِّداً لأمر قد ثبت وجوبه. وفي هذا الختام تمهيد لسورة الماعون بعدها؛ إذ ذُكر هنا إطعام الله للناس، وذُمّ هناك من لا يحضّ على طعام المسكين.