وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ
وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ
تختم السورة بالوصف الأخير الجامع: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}. وحاصل ما نقله الطبري في "جامع البيان" عند تفسير هذه الآية أن أقوال السلف في الماعون تدور على معانٍ متقاربة: فمنهم من فسره بالزكاة المفروضة، ومنهم من فسره بعارية المتاع من الدلو والقدر والفأس والإناء وما جرى مجراها من حوائج البيوت التي يتعاورها الجيران، ومنهم من فسره بالمعروف كله. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" في الموضع نفسه أن الأقوال ترجع إلى أنهم لا يحسنون عبادة ربهم ولا يحسنون إلى خلقه حتى بعارية ما ينتفع به ويعاد إليهم. ورجّح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" عند تفسير هذه الآية أن اللفظ يحتمل الجميع؛ فالماعون اسم لما فيه منفعة قلّت أو كثرت. وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" عند تفسير هذه الآية أن أصل المادة من المعن وهو الشيء القليل، فسمّي به ما يُتعاور من صغار الحاجات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختمت السورة بمنع الماعون لتعود بالسياق إلى حيث بدأ؛ فقد افتُتحت بمن يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين، وخُتمت بمن يمنع أهون المنافع عن جاره؛ فتم بذلك إطباق المعنى على طرفيه في نسق دائري محكم. وفي هذا الختام تقرير أن الخلل في حق الله — بالسهو والرياء — يصحبه حتماً خلل في حق العباد؛ فالسورة كلها بناء واحد يثبت أن الدين إن لم يثمر رحمة وبذلاً فهو دعوى لا حقيقة لها. ثم إن ختم السورة بذكر المنع يمهد لافتتاح سورة الكوثر بالعطاء الإلهي؛ فبين الخاتمة والمطلع تقابل بديع.