فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ
فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ
لما استدعى الاستفهام في الآية الأولى نظر السامع، جاء الجواب مصدَّراً بفاء التفصيل والتعقيب: {فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}. وحاصل ما قرره الطبري في "جامع البيان" عند تفسير الآية الثانية من سورة الماعون أن الدَّعّ هو الدفع بعنف وجفوة وقهر؛ يدفع اليتيم عن حقه وعن الطعام والعطاء دفعاً فيه إذلال واحتقار. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" في الموضع نفسه أن المراد أنه يقهره ويظلمه ولا يطعمه ولا يحسن إليه؛ فذكر اليتيم من بين سائر الضعفاء لأنه أشدهم انكساراً وأقلهم ناصراً. ويتصل بهذا ما ذكره الواحدي في "أسباب النزول" عن ابن جريج من أن الرجل جاءه يتيم يسأله فقرعه بعصاه؛ فكانت هذه الواقعة تصويراً حسياً للدَّعّ الذي وصفته الآية. واليتيم في الشرع من مات أبوه قبل بلوغه، فهو مظنة الحاجة والانكسار وفقدان الحامي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): الفاء في {فَذَٰلِكَ} فاء الجواب والتفصيل؛ فهي تربط الوصف الظاهر بالعلة الباطنة ربطاً محكماً: التكذيب سبب، والدَّعّ نتيجة. وقُدّم الاعتداء على اليتيم على ترك إطعام المسكين في الآية التالية؛ لأن الدَّعّ فعل عدوان إيجابي، وترك الحضّ تقصير سلبي، والاعتداء أشنع من التقصير فقُدّم في مقام التشنيع. ثم إن السياق ينتقل بعدها من معاملة الخلق إلى العبادة، ليجمع صورة كاملة لهذا الصنف: فساد في حق العباد أولاً، وفساد في حق الله ثانياً.