لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
هذه خاتمة السورة والتوقيع على ما تقدم من التفصيل؛ والمعنى عند أئمة التفسير: لكم دينكم الذي رضيتموه لأنفسكم وأصررتم عليه، ولي ديني الذي اختاره الله لي ولا أفارقه؛ فليس بيننا في هذا الباب لقاء ولا وسط. وذهب جمهور المفسرين إلى أن هذا إعلان مفاصلة وبراءة، لا إقرار لهم بصحة ما هم عليه ولا رضاً به؛ إذ لو كان إقراراً لناقض ما قبله من النفي المؤكد أربع مرات. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن المعنى: لكم جزاؤكم على عملكم ولي جزائي على عملي؛ فحمل «الدين» على معنى الجزاء؛ وحمله آخرون على الملة والشريعة؛ والمعنيان متلازمان، إذ الجزاء أثر الملة. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه السورة أن هذه الخاتمة هي عين معنى البراءة من الشرك الذي جاءت السنة بوصف السورة به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم في هذه الآية من التفصيل إلى الإجمال، ومن النفي المكرر إلى الحكم الجامع؛ فالآيات الأربع قبلها كانت تفكيكاً للعرض وردّاً على أجزائه، وهذه الآية جمعت النتيجة في جملتين متقابلتين. وهذا ترتيب محكم؛ إذ لو قُدّم الإجمال على التفصيل لبقي في النفس سؤال عن وجه القطع؛ فلما تقدم التفصيل صار الحكم في آخرها مستنداً إلى ما قبله لا مجرد دعوى. ثم إن الخاتمة ناسبت المطلع مناسبة تامة: بُدئ بالنداء بالوصف {يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وخُتم بإفراد كل فريق بما اتصف به {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}؛ فما فُتح به الكلام من التمييز أُغلق به.